إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 16 يونيو 2014

الثورة تولد مرتين

من طرف Ahmd  
التسميات:
12:41 ص

انطلقت شرارة الثورة العربية في 17 ديسمبر 2010م في مدينة تونسيّة صغيرة تسمى (سيدي بوزيد)، لم يكن يعرفها العالم قبل هذا التاريخ، وما لبثت عدة أشهر إلا وهي تعمّ العالم العربي من المحيط إلى الخليج، وإن بصور وأشكال مختلفة، وبدأت منذ الأيام الأولى التحليلات والتنبؤات والنقاشات، هل ما يحدث في العالم العربي (ثورة) فعلا؟ بطبيعة الحال، النقاش لم ينته بعد؛ فالأحداث لا تزال مستمرة في الوطن العربي ولم تتوقف منذ ذلك التاريخ.
لكن لنعود إلى قصة الثورات في العصر الحديث، وكيف بدأت، وما فلسفتها؟
في بريطانيا، بدأت القصة عندما تولى تشارلز الأول العرش سنة 1624م، ووجد نفسه في مواجهة أمام البرلمان، ودخل معه في صراع طويل على فرض الإرادة السياسية على البلاد، استمر هذا الصراع فترة طويلة هيّأت بيئة الثورة التي أدت للحرب الأهلية في نهاية الأمر سنة 1642م بعد محاولة الملك اعتقال عدد من أعضاء البرلمان.
وفي فرنسا أيضًا، الأحداث السياسية وتعنت الملك ومراوغته ومحاولة التفلت من قيود البرلمان، أدّت لاحتجاجات وتململ شعبي كبير حاول الملك السيطرة عليه بالقوة، فلمّا علم الباريسيون أنهم محاصرون من قبل قوات الملك؛ هرعوا إلى (الباستيل) ظنًّا منهم أن هذه القلعة القديمة تحوي أسلحة يدافعون بها عن أنفسهم، فلم يجدوا إلا بضعة حرّاس حاولوا صدّ التظاهرة الصغيرة المتوجهة إليهم، فاندلعت المواجهات ومع أول قطرة دم عمّت الاحتجاجات باريس وسقط الباستيل، وبدأت سنة 1789م الثورة الفرنسية واستمرت حتى محطة بونابارت سنة 1799م.
أما في أمريكا، فكانت بداية الثورة بسبب فرض بريطانيا رسومًا إضافيّة على واردات مستعمراتها الأمريكية وخاصة على وارداتها من الشاي وذلك سنة 1765م، هذه الزيادة كانت فرصة المناوشات مع سكان المستعمرات وعاملي الميناء الأمريكيين وخاصة في بوسطن. بدأت عجلة الأحداث بعد ذلك، وتوّجت بإعلان الاستقلال الأمريكي سنة 1776م.
الثورة البلشفية في روسيا بدأت على إثْر احتفالات عيد المرأة في الثامن من فبراير من كل عام، في هذا العيد سارت مظاهرات نسائية مكوّنة من عاملات المصانع في شوارع بتروغراد يطالبنَ بالخبز، كانت هذه التظاهرات هي النواة التي تعاطف معها عمّال المصانع من الرجال وبعض العسكر، فلمّا ضاقت السلطات من هذه التظاهرات أمرت قوّاتها الأمنية بفضّها كالعادة، وكالعادة أيضًا كانتِ القوةُ هي القشّة التي تقصم ظهر الأنظمة، فانطلقت الثورة البلشفية في فبراير 1917م، التي أسقطت النظام الوراثي المتمثل في أسرة رومانوف، وتحولت روسيا إلى جمهورية.
تلك الأحداث البسيطة لم تكن هي السبب الحقيقي لثوارت الشعوب، ليست صفعة البوعزيزي، ولا صراعًا سياسيًّا بين أسرة حكم في بريطانيا وبرلمان واعتقالات لبعض أعضائه، ولا احتجاجات أمام قلعة قديمة (الباستيل) التي هي اليوم أشبه بمخفر شرطة؛ كما إنها ليست بسبب مظاهرة نسائية مطالبة بالخبز في روسيا. إن تلك الأحداث ما هي إلا القطرة التي فاضت بها الكأس المملوءة أصلًا بالعديد من العوامل والأسباب.
لقد حاول العديد من المفكرين والفلاسفة فهم الثورة ووضعوا النظريات المختلفة التي تشرحها أو تبررها أو تتنبأ بها، وأنا لست بذلك المقام لشرح فلسفة الثورة، لكنني فهمت من أولئك، أو، بالأحرى من بعضهم، ومن قراءة سيرة تلك الثورات وسلوكها، ملامحَ رئيسة وسماتٍ مشتركةً بينها. وبطبيعة الحال، هناك فروقات تمليها الظروف بين ثورة وأخرى، كما أن هناك تفاوتًا في درجة تأثير هذا العامل أو ذاك في الثورة، وكل ذلك لا يلغي السلوك العام للثورة في كل مكان والرامية لتغيير النظام القائم وإحلال بدلًا منه نظامًا مغايرًا.
بيئة الثورة ومادتها الأساسية هي (عدم الرضا). إن انعدام رضا الشعب عن الحال في الدولة هو أساس كل ثورة، وعدم الرضا كلمة تعمّدتُ أن تكون عامة لما تنطوي عليه من قدرة على استيعاب العديد من الأسباب والظروف والأحوال سواء اقتصادية أو اجتماعية أو فكرية أو سياسية أو غيرها؛ فاختلاف الأسباب هنا ليس بالأمر البالغ الأهمية، لكن المهمّ هو درجة عدم الرضا عند الشعب، حجمها وانتشارها وعمقها، ثم بعد ذلك نبحث عن أسباب حالة عدم الرضا وندرسها.
إن ما يحدث في الدول الموشكة على الثورة، هو أن السلطة ومَن يستحوذ على السلطة والثروة، بلغوا من الاستئثار بالنفوذ والثروة حدًّا جعل الالتفات منهم للشعب أمرًا ليس ذا أهمية، بل في أغلب الحالات طبقة السلطة تصل لحد التنازع فيما بينها على السلطة وما تحمله من قوة النفوذ والثروة؛ فيصبح هذا التنازع هو شغلها الشاغل، ويغدو الموكول الأول بسياسة الدولة بين صراعين: صراع مع شعب انعدمَ عنده الرضا عنه أو يوشك، وبين (شركاء) في السلطة يتنازعونه ويتنازعون فيما بينهم على السلطة والثروة. ولأن الأقوى أثرًا والأكثر مباشرة في التأثير عليه هم من حول مالِك السلطة؛ ينصرف اهتمام أغلب السلطة لهؤلاء الذين حولهم ويأخذون أولوية التدبير والنظر والوقت والجهد ، فيزيد الابتعاد عن الشعب وهمومه، فتزيد حالة عدم الرضا فتشمّر الثورة عن ساعديها.
حين تبدأ حالة عدم الرضا بالظهور ويبدأ الساخطون بالتعبير العلني، تصبح كل محاولات السلطة المنعزلة عن قضايا الشعب والمنشغلة بتدابير ودسائس شركاء السلطة هي محاولات إخفاء تلك العلنية وعدم الرغبة في رؤيتها والانزعاج منها؛ فتبادر لإخفائها تحت السطح قدر المستطاع، مستخدمة في سبيل ذلك شتى الوسائل، لكن كلّ ذلك لا يحّل المشكلة الرئيسة ولا يعالج أسباب الثورة المقتربة. فإن عقلية السلطة في هذه المرحلة ليست معالجة القصور وسدّ الخلل، بل إن جلّ ما يشغلها هو الاحتفاظ بما لديها من قوة ونفوذ ومال لمواجهة شركائها أو للحفاظ على التفوق عليهم أو الأمن من مكرهم.
في مراحل الثورة الأولى التي تبدأ بعد فشل محاولات إخفاء حالة (عدم الرضا)، وبعد هدوء مفتعل غير حقيقي، في هذه المرحلة، تخرج الثورة بعلنية أكبر فتشعر السلطة أنها استنفدت سبل إخفاء حالة عدم الرضا فتنتقل لمرحلة أخرى وهي مرحلة القضاء على حالة عدم الرضا، وهنا فترة الإحماء الثوري وبداية المواجهة. تستمر هذه الحالة حتى تكون السلطة أمام خيارين: الاستسلام والدخول في مجال صياغة شروط الاستسلام وحفظ بعض المكاسب في مقابل التخلي عن امتيازات وصلاحيات حقيقية للشعب الثائر، أو الدخول في طور المواجهة عبر ما يسمى (الثورة المضادة).
تتخذ الثورة المضادة صورتين رئيستين: الصورة الأولى، هي المواجهة العنيفة للثورة في بداية أمرها ومحاولة سحقها بالقوة، فتتواجه ثورة الشعب مع ثورة في جانب السلطة، وهنا الأمر ليس مقاومة للثورة من قبل السلطة فالمقاومة مقبولة وطبيعية وتكون في المرحلة السابقة التي ذكرناها وتؤدي في النهاية لاستسلام السلطة، لكن ثورة السلطة هي دخول السلطة في معادلة صفرية إمّا تسحق الثورة أو تُسحق هي، وهنا لا مجال للحلول الوسط.
والصورة الثانية من الثورة المضادة، هي في استيعاب الثورة ومحاولة الالتفاف عليها، وفي هذه الحالة تلجأ السلطة إلى استخدام وسائل متنوعة لا تعتمد على المواجهة العنيفة وحدها كما في الصورة الأولى، بل تحاول السلطة خلخلة صفوف الثورة بمختلف الوسائل، أو تقوم السلطة بتقديم عروض زائفة غير حقيقية وأقل من مستوى مطالب الثورة؛ فيتم القبول بها أحيانًا اعتمادًا على حسن النوايا، أو، في الغالب، رغبة في تموضع جديد لطرفي الصراع (الثورة/ السلطة)؛ بحيث يستفيد كل منهما من هذا العرض.
في الصورتين، تدخل الثورة في حالة الهدوء المفتعل الثانية فترة من الزمن، وهنا تبدأ الولادة الثانية للثورة، فما يحدث فعلًا هو اعتمال الأفكار الثورية في قلوب وعقول الثائرين وزيادة تمدّدها وانتشارها، والأخطر هو اتجاه تلك الأفكار للحلول الأكثر جذريّة وراديكالية، وهو فعلًا ما تحتاجه المعادلة الصفرية. إن ممانعة السلطة ودخولها في طور (الثورة المضادة)، يكوّن قناعة معاكسة لدى الشعب وهي زيادة أصوات القائلين بعدم وجود الحلول الوسط والمطالبين بالحلول الجذرية؛ فالواقع وسلوك السلطة سواء بالمواجهة العنيفة (الصورة الأولى)، أم بمحاولة امتصاص واستيعاب الثورة (الصورة الثانية)، يدعم هذا التفكير الراديكالي الجذري في التغيير، كما أن البيئة التي تولد فيها هذه الأفكار في الموجة الثورية الثانية تختلف، إلى حدّ كبير، عن البيئة التي ولدت فيها أفكار الموجة الأولى من الثورة.
إنّنا، في الوطن العربي، لسنا استثناءً عن شعوب العالم أبدًا، بل إن الأحداث التي نعيشها اليوم تسير على نفس القواعد التي سارت عليها جميع الثورات مع اختلاف الأزمان والأماكن والأسماء، البعض يحبّ أن يلهي نفسه ويواسيها بادعاء استثنائيته، والبعض الآخر يحب أن يعلّق عجزه وضعف عزيمته على تلك الاستثنائية الموهومة، والحق أنه لا التاريخ ولا سُنن وقواعد الكون تسعف أولئك المدعين الاستثنائية، ويسعدني هنا زف البشارة إليهم: إن الثورة ستطالكم جميعًا، وستنتصر.
إن في السرد التاريخي أول المقالة لأربع ثورات (البريطانية، والفرنسية، والأمريكية، والروسية)، نلاحظ في هذا السّرد أن الثورة لم تكن نتيجة موجة واحدة ولم تنته بنهاية الحدث الذي أشعلها، بل استمرت الآثار والتداعيات وقاومت السلطة الموجة الثورية الأولى بمختلف الصور وحاولت استيعاب الثورة، لكن كلّ ذلك لم يفلح في القضاء على الثورة، وإن احتاجت أحيانًا لعقود والمزيد من التكاليف والتضحيات، لكن أهم ما تنتجه الثورة، وهو ما يبقيها حيّة، أفكارها؛ فإن الأفكار أطول عمرًا من حياة الثائرين، وأشد فتكًا من أسلحة السلطة.

نبذة عن الكاتب


اكتب وصف المشرف هنا ..

0 التعليقات:

المشاركات الشائعة

Wikipedia

نتائج البحث

التسميات

المشاركات الشائعة

كتابا

المدونات

back to top