صـــوارم الأقــــلام في نقض الشبه والأوهام .. (19)
بقلم أ.د. حــاكم المـطـيري
9 رجب 1435هـ
8إبريل 2014 م
الطغيان السياسي وغياب الخطاب الراشدي:
لا يحدث
الطغيان السياسي عادة إلا حين يفقد المجتمع حال الرشد والاستقامة التي تحول
دون حدوث الظلم، وبقدر فقد المجتمع للرشد تكون قابلية أفراده ومكوناته
للاستبداد، واستعداده للركون للطغاة، وتبرير ظلمهم، والاعتذار لهم، والرضا
بهم، وهو من الطغيان الاجتماعي نفسه {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ
طَاغُونَ}، الذي ينافي الاستقامة التي أمر الله المؤمنين بها، كما في قوله
تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا
إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ
ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ
أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ}!
والركون هو
الميل والرضا بالظلم والظالمين، كما قال ابن عباس: (ولا تميلوا إلى الذين
ظلموا)، وقال أبو العالية: (لا ترضوا أعمالهم)، ومن عقوبة الركون إلى
الظالمين تخلي الله عمن ركن إليهم وهو أحوج ما يكون إلى الله ومعيته ونصرته
على عدوه، وعلى من ظلمه، كما قال ابن جرير الطبري: (... {ثُمَّ لاَ
تُنصَرُونَ} يقول: فإنكم إن فعلتم ذلك لم ينصركم الله، بل يخلِّيكم من
نصرته ويسلط عليكم عدوّكم).[1]
وقد قابل
القرآن في الآيتين بين الاستقامة التي أمر الله بها، والطغيان الذي حذر
الله منه، ورتب على ذلك كله – سواء الخروج عن حد الاستقامة وبلوغ حدود
الطغيان، أو الركون إلى الطغاة – قطع ولاية الله عمن طغى، وعمن ركن أو مال
أو رضي بالطغاة، ومنع الله نصرته له وهو أحوج ما يكون إلى الله ونصرته!
ومثله قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}!
قال بعض أهل التفسير: (نسلط بعض الظلمة على بعض).[2]
وقال ابن جرير الطبري: (وكذلك نجعل بعض الظالمين لبعضٍ أولياء).[3]
وكلا
المعنيين صحيح فإنه لا يركن إلى الطغاة والظالمين إلا من تلبس بشيء من
ظلمهم وطغيانهم، أو رضيه أو اعتذر له، فيكون ذلك من التولي لهم، ثم تكون
عاقبة ركونهم أن يسلط الله عليهم الطغاة فيظلمونهم كما ظلموا غيرهم!
وهذه السنن
الاجتماعية لله في الخلق لا تتخلف أبدا، ولا تحابي أحدا، مؤمنا كان أو
مشركا، كما قال تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ
وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}، وقال: {سُنَّةَ اللَّهِ
الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ
تَبْدِيلاً}، وقال: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا
وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً}!
فهي سنن
لله مطردة في عباده توجد بوجود أسبابها، وتزول بزوالها، ولا تتبدل ولا
تتغير بتغير الأمم والعصور، ولا تتحول عما أجراها الله عليه من نواميس
كونية واجتماعية، وإنما يدركها من اعتبر بهدايات القرآن ونزلها على الواقع،
واهتدى بها في فهم آيات الله القرآنية، وآياته القدرية الكونية، كما قال
تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}!
ولهذا نعى
القرآن على من أعرضوا عن الاعتبار والاتعاظ بآيات الله القدرية الكونية
الاجتماعية، كما قال تعالى: {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي
كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ
يَذَّكَّرُونَ}!
ومما يؤكد
أن هذه السنن تعم المسلم وغير المسلم كونها جاءت بأوصاف عامة كالظلم
والطغيان، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ
لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا
فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ .
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي
وَخَافَ وَعِيدِ . وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}!
فقرر قاعدة
مطردة تشمل المسلم وغير المسلم وهي {لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ}،
{وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}، وربط سبب دمارهم وهلاكهم بوصف الظلم،
وسبب خيبتهم بوصف الجبروت والطغيان!
ولهذا جاء في الحديث: (إذا رأت أمتي الظالم فلم تأخذ على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقابه)!
وقد بيّن
القرآن كيف يمارس الطغاة استبدادهم وفسادهم بذريعة الإصلاح في الأرض،
وحمايتهم للشعب، وعن ادعاء الطغاة حال الرشاد في كل ما يقومون به من فساد،
كما جاء في محاورة مؤمن آل فرعون مع فرعون والملأ، في قوله تعالى: {وَقَالَ
فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ
أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ .
وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ
لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ . وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ
فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ
اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ
كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ
الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ .
يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن
يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا
أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ}،
{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ
الرَّشَادِ}!
ففي هذه
المحاورة دليل على فقد المجتمع المصري في ظل طغيان فرعون لحال الاتزان
والرشد، حتى صار سبيل الرشاد الذي يدعوهم إليه فرعون يتمثل في:
1- قتل نبي
الله موسى بذريعة مكافحة الإرهاب، وخوفا – كما يزعم فرعون - على شعب مصر
من تغيير موسى لدينهم الذي يفرض عليهم كهنته وسحرته ورجاله طاعة فرعون،
بحجتين باطلتين:
الأولى:
أنه الملك وولي الأمر في مصر {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا
قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن
تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ . أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ
مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ}!
والثانية:
أنه الأقوى بطشا والأشد عذابا {فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم
مِّنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ
أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى}، والأقدر على سجن من عارضه ولم يتخذه
مطاعا وحكما {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ
مِنَ الْمَسْجُونِينَ}!
2- وخوفا
من ظهور الفساد في أرض مصر {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ}،
بثورة المستضعفين من قوم موسى على الملأ المستكبرين، وتحررهم من الطغيان
والظلم والاستعباد، بينما يرى مؤمن آل فرعون سبيل الرشاد يتمثل في ترك
فرعون والملأ للظلم والاستكبار في الأرض، وعدم التعرض لموسى ودعوته إلى
العدل والقسط!
وقد كانت
قضية موسى الرئيسة هي تحرير بني إسرائيل من طغيان فرعون واستعباد الملأ
لهم، ورفع الظلم عنهم، ومنع تعذيبهم، كما في قوله تعالى: {وَإِذْ نَادَى
رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . قَوْمَ فِرْعَوْنَ
أَلا يَتَّقُونَ ... فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ
الْعَالَمِينَ . أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}، فالظالمون هم
الملأ من قوم فرعون وليس فرعون وحده!
وكما في
قوله تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ... فَأْتِيَاهُ
فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ
وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ
عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى}!
ولهذا رفض
الملأ من قوم فرعون منح بني إسرائيل حريتهم التي كان يتطلع إليها موسى:
{ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ
مُّبِينٍ . إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا
عَالِينَ . فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا
لَنَا عَابِدُونَ}!
قال ابن
جرير الطبري: (وكانوا قوما عالين على أهل ناحيتهم، ومن في بلادهم من بنى
إسرائيل وغيرهم بالظلم، قاهرين لهم... {وَقَوْمُهُمَا} من بني إسرائيل
{لَنَا عَابِدُونَ} يعنون: أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم،
ويدينون لهم، والعرب تسمي كل من دان لملك: عابدا له. ومن ذلك قيل لأهل
الحيرة: العباد؛ لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم).[4]
فكانت
القضية الرئيسة في قصة موسى هي طغيان فرعون، وعلو قومه واستكبارهم في الأرض
بغير الحق، واستعبادهم بني إسرائيل بظلمهم وفرض طاعتهم لهم، ليسخروهم في
خدمتهم!
ولهذا رفض
الملأ دعوة موسى إلى تحرير بني إسرائيل خوفا على سلطانهم وملكهم كما في
قوله تعالى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ
آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ
لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ}!
والكبرياء
الذي خاف عليه الملأ هو الملك والسلطان، قال مجاهد: (الكبرياء: السلطان في
الأرض... وعن مجاهد قال: الملك في الأرض... عن الضحاك: (وتكون لكما
الكبرياء في الأرض) قال: الطاعة).[5]
قال ابن
زيد: (قال فرعون: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا}، نذهب نرفعهم فوقنا
ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك؟ وذلك حين أتوهم
بالرسالة، وقرأ:{وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ} قال:
العلوّ في الأرض).[6]
وقد كانت
نهاية الملأ وأتباعهم وفرعون وجنوده أن أهلكهم الله أجمعين بشؤمِ طاعةِ
أمرِ فرعونَ غير الرشيد، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى
بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ . إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ
فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}!
فكان
اتباعهم أمر فرعون غير الرشيد، وطاعتهم له دليلا على عدم رشدهم، وسبب أخذ
الله لهم، ونزول عذابه بهم، وما كانوا ليطيعوه ويتبعوا أمره، لولا استخفافه
بهم، كما قال تعالى في شأنهم {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}!
فبقدر الركون للطغاة والميل لهم، يكون الاستخفاف من الطغاة بمن ركن لهم ورضي بهم!
وقد نفى
القرآن الرشد عن الطغاة وعن الطاغوت وعمن اتبعه وسلك سبيله بإكراه الخلق
على طاعته، كما في قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ
الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن
بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ
لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ
يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى
الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}!
وقد جعل
الله الاستكبار في الأرض سببا للغواية والانصراف عن سبيل الرشد، وطريق
الرشاد، كما في قوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ
يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ
لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ
يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ
سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا
غَافِلِينَ}!
كما جعل
الله الهداية إلى الرشد من نصيب الفتية والشباب المؤمنين المستضعفين الذين
كفروا بما عليه قومهم من كفر وطغيان، كما في قوله تعالى: {إِذْ أَوَى
الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ
رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}
وكما في
قوله تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ
فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا . وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ
فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا . وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى
الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا}، فجعل تحري الرشد والهداية
إلى سبيل الرشاد والاستقامة من حظ المسلمين، لا القاسطين الظالمين، فإن
الله لا يهديهم سبيل الرشد، حتى لو رأوه واضحا جليا ما اتخذوه سبيلا بشؤم
ظلمهم وطغيانهم، وكأنه لا يجتمع حال الإسلام والاستقامة والرشد والإيمان،
مع الظلم والطغيان، ولا مع الغواية والعصيان، كما في قوله تعالى:
{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي
قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ
أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}!
ولخطورة
الطغيان أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ومن معه بالاستقامة على أمر
الله وسبيل هدايته، وهو سبيل الرشاد والصراط المستقيم، وحذره من الطغيان
وتجاوز حدود ما شرعه لهم من العدل وما أمرهم به من القسط والحق فقال تعالى:
{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}!
لقد نجح
الطغيان السياسي في عالمنا العربي - منذ سقوطه تحت الاحتلال الغربي - في
تشكيل خطاب ديني وثقافي فرعوني يعزز طغيانه، ويحمي وجوده، ويستخف بالشعوب
وحريتها وحقوقها ودينها وهويتها، وقد بلغ الانحراف في هذا الخطاب وأهله حدا
غير مسبوق، حتى خرج السلفيون في مصر على الأمة وهم يصلون الاستخارة في شأن
الوقوف مع السيسي وترشيحه لرئاسة مصر، ودماء الأبرياء ما تزال تسيل في
شوارع مصر على يد فرعونها وزبانيته، كما سبقهم الصوفية وشيخهم علي جمعة وهو
يخاطب السيسي ويحرضه على القتل ويقول له: (اضرب بالمليان)، ليقتحم على أهل
رابعة فيحصد في ساعات آلاف الشباب الأبرياء!
فلم تكن
الأزمة كما ظن الواهمون خاصة بالتيار الصوفي كعلي جمعة في مصر، أو كحسون
والبوطي في سوريا، وقدرة الأنظمة على توظيفهم، حتى وقفوا مع طاغية الشام في
حربه على الشعب السوري! إذ كشف السلفيون في مصر بانحرافهم وفقدهم للرشد
السياسي على مستوى الفكر والممارسة، بأن الأزمة أعمق جدا، فهي أزمة أمة
يشترك فيها الصوفي والسلفي، والسياسي والجهادي، حين:
1- غاب
الخطاب السياسي والدعوي والأخلاقي القرآني والنبوي والراشدي المنزل، وحل
مكانه الخطاب المبدل والمؤول، سواء في المجال الدعوي والإيماني والأخلاقي
الذي أفرز هذه الظاهرة الصوفية والسلفية التي بلغت الغاية بتجردها من القيم
الإنسانية فضلا عن القيم الإيمانية، حين انحرفت عن الفطرة السوية التي فطر
الله الخلق عليها من حب العدل واستحسانه، وكره الظلم واستقباحه، أو على
مستوى الوعي بالمشروع السياسي الراشد، وحاجته للمشروع الجهادي الراشد،
وتكامل كلا المشروعين، أو على مستوى الممارسة الراشدة في كلا الأداءين
السياسي والجهادي!
2- وغاب
مشروع الأمة الواحدة، وتراجع أمام مشاريع القوميات والوطنيات والجماعات
والأحزاب، التي نجح العدو بتوظيفها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وبوعي منها
أو بغير وعي، على اختلاف مستويات هذا التوظيف وأساليبه ولو بتحييدها عن
الصراع، حين أصبح همها نفسها وتيارها، لا الأمة كلها ومصالحها العليا التي
تتجاوز الجماعة والقطر {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ
يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ}! لينتهي هذا
التوظيف لخدمة الاحتلال الأجنبي من جهة، وخدمة حكوماته الوظيفية الملكية
والعسكرية من جهة أخرى، في كل بلد عربي، فما يفعله حزب النور اليوم بقيادة
برهامي في مصر، سبقه إليه حزب مجتمع السلم بقيادة محفوظ النحناح في الجزائر
قبل عشرين سنة حذو القذة بالقذة، وإذا شؤم ذلك الركون من النحناح وحزبه
إلى طغاة الجزائر وجنرالات الجيش المدعومين فرنسيا وسعوديا - والذين قتلوا
مئتي ألف مسلم جزائري، لأنهم اختاروا جبهة الإنقاذ في الانتخابات - يدفع
ثمنه بعد عشرين سنة من داهنهم من جماعتهم وتيارهم في مصر، ومن اعتذر
لموقفهم آنذاك، فإذا هم يفتقدون نصر الله وهم أحوج ما يكونون إليه!
فإذا الله
الملك العدل يجازي، ولو بعد حين، كل قوم بذنبهم وجريرتهم حين ركنوا إلى
الظالمين جميعا، وبموقف جماعي وحزبي واحد، وحين تواطأوا عليه، ولم يتناهوا
عنه، ولم يتبرأوا منه، كما قال تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا
أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}، وكما قال
تعالى: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ}!
فكان لا بد
من التمحيص والتطهير للمؤمنين على ما فرط منهم من ركون للظلم تحت أي ذريعة
حزبية أو مصلحية، وكان لا بد من تمييز الصف: {مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ
الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ
مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ}!
لقد نجح
نظام حسني مبارك خلال ثلاثين سنة من 1981 – 2011 م في توظيف الحركة
الإسلامية من خلال تحييدها في صراع النظام مع حركة (الجهاد الإسلامي) في
مصر من 1981م إلى 1988م، ثم تحييدها في الصراع مع (الجماعة الإسلامية) في
مصر منذ 1990م لمدة عقد تقريبا، ثم في الصراع مع (القاعدة) بعد ذلك منذ
مطلع الألفية الثانية إلى الثورة العربية، وكان الإخوان حينها يمارسون
العمل السياسي ويصلون إلى البرلمان بالتحالف مع حزب العمل الاشتراكي!
ولينتهي المشهد اليوم بتحييد التيار السلفي والصوفي وتوظيفه في مصر لمواجهة
الإخوان المسلمون والتيار الإسلامي بكل فصائله والثورة بكل مكوناتها!
وكذا نجحت
أمريكا في توظيف الرئيس اليمني علي صالح الذي نجح بدوره في توظيف التيار
الإسلامي (السياسي والجهادي والسلفي) لمواجهة الشيوعيين في اليمن الجنوبي
وتصفيتهم، كآخر قاعدة للاتحاد السوفيتي الروسي في المنطقة، بعد انتهاء
الحرب الباردة، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وتفرد أمريكا سنة 1990م بقيادة
العالم، وظل علي صالح كرئيس لليمن وحليف للإسلاميين، يمارس كل صور الفساد
طوال ثلاثين سنة، لصالح تعزيز النفوذ الأمريكي في اليمن حتى فقد اليمن
سيادته واستقلاله الفعلي اليوم!
وهكذا صار
كل نظام عربي وظيفي - حليف للولايات المتحدة – يتحالف مع التيار الإسلامي
لتوظيفه بشكل أو بآخر، لتنتهي المصلحة بالنهاية للعدو الخارجي!
وقد لا
يكون هذا التوظيف بسبب سوء القصد وفساد النيات، بقدر ما يكون بسبب قصور في
الوعي وخلل في التصورات! فالتوظيف السياسي هو قدرة العدو المحتل الخارجي،
أو الطغيان الداخلي، على إدارة الصراع مع الأمة وشعوبها، على نحو يستخدم
فيه الأمة نفسها ومكوناتها، بما في ذلك من يقاومه، لتحقيق أهدافه، وتعزيز
نجاحه في السيطرة عليها!
ولا يختلف
الحال في دول الخليج الوظيفية عن باقي الأنظمة العربية التي تدور في فلك
الولايات المتحدة، وقد أدركت أمريكا والمملكة السعودية - بعد حركة جهيمان
سنة 1400هـ – 1979م، وتدخل القوات الفرنسية الخاصة للقضاء عليها في الحرم
المكي، حيث كانت فرنسا عضو في (مجموعة السفاري سنة 1975م لمواجهة المد
الشيوعي)، التي كانت تضم (فرنسا والمغرب والسعودية (ويمثلها كمال أدهم)،
ومصر (ويمثلها حسني مبارك) وإيران الشاه) – ضرورة ضبط إيقاع الحراك
الإسلامي في المملكة (بشقيه الإخواني والسلفي)، حيث بدأ النظام منذ سنة
1980م بتكثيف الرعاية المباشرة للدعوة، والإشراف على المساجد والمكتبات
والمحاضن الدعوية، وفتح المراكز لاستيعاب الطاقات من العلماء والدعاة داخل
المملكة وخارجها، لتقديم الإسلام السعودي الوسطي، الذي وصل نشاطه ومراكزه
إلى أمريكا وأوربا خلال الثمانينيات والتسعينيات، في إطار خطة أمريكا
لتوظيف الإسلام وجماعاته الدعوية في مواجهة خطر الشيوعية وتمدد الاتحاد
السوفيتي في العالم الإسلامي خاصة بعد احتلاله أفغانستان!
وقد ظل
النظام في المملكة – بإشراف أمريكي - يرعى نشاط الدعوة ويشرف عليها ويمدها
بكل أشكال الدعم المادي، ويقدم كافة التسهيلات لقيامها بمهمتها في مواجهة
الشيوعية والقومية في المنطقة العربية، ولتظل الدعوة تحت السيطرة فلا تخرج
عن الدور المرسوم لها، حتى إذا احتاجت أمريكا للتدخل في الخليج سنة 1990م،
واعترض الدعاة على وجودها العسكري في الجزيرة العربية، بدأت المواجهة بين
النظام وبينهم، وتم سجن الدعاة، وبدأت المنابر تحذر من فكر الخوارج، وتحرم
الخروج على ولي الأمر!
وقد صليت
يوما الجمعة في مسجد فقيه في منطقة العزيزية بمكة المكرمة – وكنت حينها
أحضر رسالة الماجستير في جامعة أم القرى – أيام موجة الاعتقالات لمشايخ
الصحوة سنة 1415هـ – 1994م كالشيخ سفر الحوالي، وسلمان العودة، وناصر
العمر، فقام خطيب الجمعة د أحمد ... فأخذ يحذر من أفكار الخوارج، ويتحدث عن
وجوب طاعة ولي الأمر، ونجح النظام حينها في تحييد تيار الإخوان في
المملكة، وفتح الباب على مصراعيه للتيار السلفي التقليدي في المدينة،
لمواجهة تيار الصحوة، حتى إذا تنامى التيار الجهادي واستعاد قوته في
المملكة مع ظهور القاعدة سنة 1996 – 2000م، واحتاجت أمريكا والنظام السعودي
لمواجهته، تم إطلاق دعاة الصحوة من السجون، وبدأ التصالح معهم، وتم تحجيم
دور السلفية التقليدية في المدينة، ونجح النظام من خلال فتح المجال من جديد
لمشايخ الصحوة في القنوات الفضائية، وتوجيه الرأي العام لمواجهة التيار
الجهادي وكل من يتعاطف معه من تيار الصحوة، وفتحت السجون من جديد، بعد
احتلال أمريكا لأفغانستان 2001م، واحتلال العراق 2003م، وزج بالآلاف في
المعتقلات، وتم فصل المئات من أئمة المساجد، حتى إذا جاءت الثورة العربية،
وحشدت أمريكا وأنظمتها الوظيفية في الخليج كل قواها لمواجهة ثورة الأمة،
ودعم الثورة المضادة في مصر واليمن وتونس وليبيا، فإذا الدور يأتي على
(الإخوان المسلمون)!
فتذكرت سنن
الله التي لا تتخلف، وقوله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ
ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}، ورثيت حال د أحمد ذلك الخطيب الذي خطب
في مسجد فقيه بالعزيزية سنة 1994م يحذر من فكر الخوارج، وكيف دارت الدوائر
عليهم بعد عشرين سنة بسبب شؤم الركون إلى الظلم وتبريره والاعتذار عنه
{وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}!
ويكاد
المشهد نفسه يتكرر من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق العربي في كل دولة، ففي
كل عقد يتم الاستفراد بتيار إسلامي، وتحييد باقي الجماعات، وتوظيفها بشكل
مباشر أو غير مباشر في مواجهته والقضاء عليه، ليظل الطغيان ومن ورائه
الاحتلال يسيطر على العالم العربي ويتحكم في مصيره!
فإذا هي
أزمة أمة لا حل لها إلا بتوبة جماعية يراجع فيها الجميع نفسه، ويتوب إلى
ربه، ويستعيد وعيه، كما قال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}!
ولعل أخطر
تجليات هذه الأزمة ما يجري اليوم في الساحة السورية، حيث يرهن فريق إسلامي
موقفه للنيتو وفرنسا، ويتوقع منها ومن أمريكا الوقوف مع الشعب السوري
ليتحرر من نظام بشار الذي فرضه النظام الدولي نفسه، ظنا منهم أن أوربا
وأمريكا قد تسمح للثوار بدخول دمشق وتحريرها، وهي التي لم تتحرر من نفوذ
الحملة الصليبية منذ احتل القائد البريطاني الجنرال أدموند اللنبي الشام
سنة ١٩١٧م، ثم دخول الجنرال الفرنسي غورو دمشق سنة ١٩٢٠م بعد معركة ميسلون -
حسب ما تقضي به اتفاقية سايكس بيكو بين بريطانيا وفرنسا - والذي جاء إلى
قبر صلاح الدين ليضع قدمه عليه ويقول: (ها قد عدنا يا صلاح الدين)، وما
تزال دمشق ومنذ تقاسم أمريكا وروسيا مناطق نفوذ بريطانيا وفرنسا بعد الحرب
العالمية الثانية وإلى اليوم تحت الاحتلال، حيث كشف مؤتمر جنيف أن سوريا ما
تزال تحت النفوذ الروسي، كما العراق والخليج تحت الاحتلال الأمريكي، وأن
الثورة العربية هي الفرصة التاريخية لتحرير المنطقة كلها!
بينما يرهن
فريق إسلامي سوري آخر موقفه للدول الخليجية الوظيفية، ظنا منهم أن هذه
الأنظمة قد تخرج عن إرادة أمريكا وما ترسمه استخباراتها للمنطقة، لتتحول
الثورة السورية إلى مجرد ملف يتم نقله بين فينة وأخرى، من الاستخبارات
السعودية إلى الاستخبارات القطرية، وبالعكس، وبإشراف أمريكي، بما في ذلك
غرفها المشتركة، التي تضم الداعمين من الدعاة والمشايخ الإسلاميين الواهمين
(من سلفيين وإخوان وجهاديين) بأنه يمكن للثورة السورية أن تنتصر بدعم
خليجي رسمي وبإشراف أمريكي!
وقد سبق أن
حذرنا كل من جاءنا من المشايخ والدعاة الخليجيين الداعمين للثورة السورية
الذين كانوا يريدون من (حزب الأمة)، ومن (مؤتمر الأمة) الاشتراك في دعم هذه
الغرف المشتركة وتزكيتها، وقلنا لهم بأن الأنظمة الوظيفية لا تستطيع
الخروج - حتى لو أرادت - عما تقرره أمريكا واستخباراتها، وأن هذه الغرف
المشتركة للداعمين، ستكون تحت إشرافها وتوجيهها من خلال الاستخبارات
الخليجية نفسها!
لقد تجلى
المشهد بعد الثورة السورية والمصرية عن أزمة أمة كبرى، وليست أزمة هذا
الفصيل الإسلامي أو ذاك، ولا هذه الجماعة أو تلك، بسبب غياب الرشد على
مستوى الوعي بالواقع وبالذات، وغياب الرشد في الرؤية السياسية والجهادية،
وغياب المشروع السياسي الراشد، وغياب الممارسة السياسية الراشدة!
الخطاب الراشدي فريضة شرعية وضرورة سياسية:
لقد أضحى
استعادة الخطاب السياسي الراشدي اليوم لتجاوز هذه الأزمة ضرورة سياسية فضلا
عن كونه فريضة شرعية، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع سنته في
الإمامة وسياسة شئون الأمة، واتباع سنة الخلفاء الراشدين من بعده، فقال:
(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم
ومحدثات الأمور)، وحدد مدة الخلافة الراشدة التي هي المعيار الذي يحتكم
إليه فقال: (خلافة النبوة ثلاثون سنة)، وقال: (تكون النبوة، ثم تكون خلافة
على منهاج النبوة)،وحدد طبيعة المحدثات بعده فقال: (ثم يكون ملكا عاضا، ثم
يكون ملكا جبريا)، وبشر بعودتها من جديد (ثم تكون خلافة على منهاج
النبوة)...
والسنة هنا
في قوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، تأتي - كما في أحاديث
كثيرة - بمعنى سيرته وهديه صلى الله عليه وسلم في سياسة شئون الأمة، ويؤكد
ذلك عطفه (سنة الخلفاء) على قوله (سنتي).
وسنن
الخلفاء هي بلا شك سننهم في باب الخلافة والإمامة وسياسة الأمة، كما في
حديث: (أول من يغير سنتي رجل من بني أمية)، وفي حديث الأمراء: (يستنون بغير
سنتي ويهدون بغير هديي)، أي في باب الإمارة والإمامة...
وقد وصف القرآن الصحابة رضي الله عنهم بالرشد، كما قال تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}...
فهم
الراشدون في رسوخ إيمانهم ويقينهم بالله ووعده، والراشدون في دعوتهم إلى
الله وفي عبادتهم وطاعتهم، والراشدون في هديهم وأخلاقهم، والراشدون في
رحمتهم بالخلق، وإقامتهم للعدل والحق، والراشدون في سياستهم لشئون الأمة،
والراشدون في جهادهم ودفاعهم عنها.
وكذلك أمر
النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقال:
(اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، وذلك للزومهما الرشد في كل
أحوالهما، كما قال عنهما في الحديث الصحيح حين ضل الصحابة الطريق: (إن
يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا) ...
وقد أجمع
الصحابة رضي الله عنهم على وجوب اتباع سنن أبي بكر وعمر في الإمامة وسياسة
شئون الأمة على وجه الخصوص، كما في صحيح البخاري، حين قال عبد الرحمن بن
عوف لعثمان رضي الله عنهما: (أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من
بعده، فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد
والمسلمون)، وفي رواية: (سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده)، وفي
رواية عند أحمد: (أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر).
ومعلوم بأن
الصحابة لم يكن يرون وجوب تقليد أبي بكر وعمر في المسائل الفقهية، إذ كان
فقهاؤهم يجتهدون ويختلفون معهما، ولا يرون وجوب اتباعهما في ذلك، بينما هنا
يجمعون في بيعة عثمان على اشتراط اتباع الخليفتين قبله في باب الخلافة
وسياسة شئون الأمة!
وليس
المراد بالسنن هنا الاجتهادات الفقهية التي صدرت عن الخلفاء الأربعة، كما
توهم من أراد رد الخطاب السياسي الراشدي، بدعوى أنه لا يجب اتباع أحد غير
النبي صلى الله عليه وسلم! وإنما المراد هنا بسنن الخلافة الراشدة وسنن
الخلفاء الراشدين تلك السنن التي هي امتداد لسنن النبوة في سياسة شئون
الأمة، كسنتهم في كون الإمامة حقا للأمة، وشورى بين المسلمين بلا مغالبة
ولا منازعة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي ولم يستخلف أحدا
بعده، بل ترك الأمر شورى بينهم، وسنتهم في اشتراط البيعة عن رضا لعقد
الإمامة السياسية، كما بايع الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة
الثانية على السمع والطاعة، وسنتهم في عدم توريث الإمارة لذريتهم من بعدهم،
كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وسنتهم في عدم التصرف في الأموال إلا
كما شرع الله وقسمها بالعدل، وسنتهم في إقامة القصاص على أنفسهم وأهليهم..
الخ
فكل هذه
السنن السياسية ثبتت بالكتاب والسنة النبوية وسنن الخلفاء الراشدين ثبوتا
قطعيا معلوما من دين الإسلام وتاريخ الخلفاء الراشدين بالضرورة القطعية!
وإنما وقع
الخلاف بين الفقهاء في حجية قول الخلفاء الراشدين حين عمموا النص وأخرجوه
عن سياقه - الذي هو سننهم الراشدة في خلافة النبوة في سياسة شئون الأمة:
(سنتي وسنة الخلفاء الراشدين) - ليدخل فيه اجتهاداتهم في الفروع الفقهية
التي ثبت يقينا أنهم لم يكن يلزمون بها الصحابة، ولم يكن الصحابة يرون وجوب
اتباعهم فيها لا في حياتهم ولا بعد وفاتهم، بخلاف سننهم في باب الإمامة
والخلافة التي لم تكن اجتهادا محضا منهم، بقدر ما كانت تعبيرا عن هدايات
الخطاب القرآني والنبوي، ولهذا أطلق عليها النبي صلى الله عليه وسلم لفظ:
(سنن الخلفاء)، لما يدل عليه هذا اللفظ من معنى العادة المستقرة عنهم،
والطريقة والسيرة التي لزموها وتابعهم الصحابة عليها بالرضا والقبول قولا
أو فعلا، فكانت من جهة سننا ثابتة عنهم، وسيرة لازمة لهم، ومن جهة أخرى
طريقة شائعة بينهم حدا يمتنع معها احتمال وجود المخالف لهم من الصحابة في
تلك السنن، فاجتمع فيها الشيوع والاشتهار من جهة، والإقرار لها بين الصحابة
ومنهم من جهة أخرى، وهذا هو حقيقة الإجماع القطعي، وأقل أحوال مثل هذه
السنن السياسية أنها من إجماع الصحابة الإقراري أو السكوتي الذي لا يسع من
بعدهم تركه والخروج عنه، كما قال تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن
بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ
الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ
مَصِيرًا}.
والواجب
كما تدل عليه هذه النصوص المتواترة تواترا معنويا اتباع هذه السنن النبوية
والراشدية في الإمامة والسياسة إجمالا وتفصيلا، فهي هدايات في الرئاسة
والسياسة والحكم، قد تتمكن الأمة أو من يتولى شئونها السياسية، من إقامة
هذه السنن كلها، على مستوى الأمة كلها، كما حدث في (الخلافة الراشدة)، أو
كلها على بعض الأمة في قطر من أقطارها في (الدولة والحكومة الراشدة)، أو
بإقامة بعض هذه السنن، وما أمكن منها في (دولة عادلة)، كما في الحديث
الصحيح (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)...
فلا يترك المقدور والميسور من هذه السنن والهدايات النبوية والراشدية لتعذر المعسور، كما تقرر في القواعد الفقهية.
فإذا أمكن
إقامة سننهم وهديهم في اختيار السلطة بالشورى والرضا فهو الواجب، فإن تعذر
وأمكن إقامة سننهم في باب مراقبة السلطة ومحاسبتها وألا تتصرف في شئون
الأمة إلا بإذنها ورضاها فهو الواجب، وإن أمكن بعث سننهم ولزومها في سياسة
المال العام والرقابة عليه إيرادا وصرفا، وتوزيع المال بالسوية، وإقامة
سننهم وهداياتهم في العدل في القضاء، فهو الواجب... الخ
وهكذا كل
ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين من السنن في هذا
الباب، فالواجب العمل بما أمكن منها، ولا يسع من تولى ولاية - في شئون
الأمة عامة كانت الولاية أو خاصة - غير العمل بهذه السنن في حال القدرة
والإمكان، ولا يمنع ذلك كله حق الأمة في التغيير بالقوة حال الإمكان..
ومع وضوح
هذه النصوص ووضوح دلالاتها، فقد أبى فقهاء السلطة والأئمة المضلون إلا
المحدثات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا العض عليها
بالنواجذ، والدفاع عن الملك العضوض، والملك الجبري، والملك الطاغوتي، ورد
السنن النبوية والراشدية والتكلف في تأويلها تارة، والاعتذار عن المحدثات
وتبريرها تارة أخرى، وبلغ من فتنة بعض أدعياء العلم أن ألفوا المقالات في
بيان عدم حجية سنن الخلفاء الراشدين في الحكم وسياسة الأمة، دفاعا عن
واقعهم الذي يضرب به المثل في الطغيان والاستبداد والفساد!
وفي الوقت
الذي لا يجدون ضيرا في الاحتجاج بقاعدة (المصالح المرسلة) و(سد الذرائع)
حتى عطلوا الشرائع القطعية، أخذا بما يخرّج من فروع فقهية عليهما، تراهم
يتكلفون إثارة الشبه حول (سنن الخلفاء الراشدين) في الحكم وسياسة الأمة!
وحتى قال قائلهم بأن الخلفاء ليسوا معصومين ولا حجة إلا بالإجماع!
ولو ذهب هؤلاء يبحثون عن حجة للإجماع، لما وجدوا له من الحجج، كقوة وكثرة ما ثبت في شأن سنن الخلفاء الراشدين من أدلة!
وقد ثبت في
الخبر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر
وعمر)، وثبت عنه قوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)، وثبت
عنه: (خلافة النبوة ثلاثون سنة)، وثبت: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله لها
أن تكون ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)!
وهي نفسها
الأحاديث التي بنى عليها سلف الأمة وأئمة أهل السنة أصول مذهبهم العقائدي
من حيث إثبات الخلافة وترتيب الخلفاء الأربعة بالفضل!
حجية سنن الخلفاء الراشدين في القرآن:
والأمر
بالاقتداء بهدي الخلفاء الراشدين واتباع منهجهم وسننهم الراشدة جاء بالأمر
القرآني قبل الأمر النبوي، كما وصفهم الله بقوله: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ
الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ
وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}، وقال: {وَمَن
يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ
غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى}، وقال: {قُلْ
هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ
اتَّبَعَنِي}...
ويدخل في
عموم هذا النصوص الخلفاء الراشدون دخولا أوليا بلا خلاف، حتى حملها كثير من
أئمة التفسير على الخلفاء الراشدين بأعيانهم، وحتى فسر بعضهم قوله تعالى:
{أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}
على الخلفاء الراشدين، كما قال عكرمة مولى ابن عباس!
وقال ابن
جرير الطبري في تفسير {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}: (والذي هو أولى
بتأويل هذه الآية عندي، أعني {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}، أن يكون
معنيا به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك،
من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم، لأن من وفق لما وفق له من أنعم الله
عليه من النبيين والصديقين والشهداء، فقد وفق للإسلام، وتصديق الرسل،
والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمر الله به، والانزجار عما زجره عنه، واتباع
منهج النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهاج أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وكل عبد
لله صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم).[7]
وروى إمام
المفسرين ابن جرير الطبري بإسناده عن أبي العالية والحسن البصري أن المراد
بالصراط المستقيم هو النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر!
وكذا فسر
بعض أئمة التفسير من التابعين كالضحاك وسعيد بن جبير قوله تعالى:
{اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}، أي كونوا مع أبي بكر
وعمر!
قال ابن
جرير الطبري: (ولتوجيه الكلام إلى ما وجهنا من تأويله، فسر ذلك من فسره من
أهل التأويل بأن قال: معناه: وكونوا مع أبي بكر وعمر، أو مع النبي صلى الله
عليه وسلم، والمهاجرين رحمة الله عليهم).[8]
ومثل هذا
تأويل قوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ
الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ
وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ} ومنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي كما في
حديث: (أثبت أحد فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد).
وحتى قال
الزمخشري المعتزلي في تفسيره الكشاف عن قوله تعالى: {الَّذِينَ إِن
مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَءاتَوُا الزَّكَاةَ
وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ} هي في الخلفاء
الراشدين!
قال
الزمخشري: (هو إخبار من اللّه عز وجل بظهر الغيب عما ستكون عليه سيرة
المهاجرين رضي اللّه عنهم، إن مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا، وقالوا
فيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين، لأنّ اللّه لم يعط التمكين ونفاذ
الأمر مع السيرة العادلة غيرهم من المهاجرين).[9]
حجية سنن الخلفاء الراشدين عند الأصوليين:
ولا يكاد
يختلف الأصوليون في حجية سنن الخلفاء الراشدين عموما، وإن اختلفوا في هل
اتفاقهم إجماع أم لا؟ وهل الحجة فيما اتفقوا عليه، أم في ما جاء عن الواحد
منهم ولم يخالفه الآخرون؟ وهل هو في كل سننهم أم في سنن مخصوصة؟
والصحيح من
ذلك كله أن الحجة هي في سننهم السياسية في باب الإمامة والخلافة خاصة، وما
اتفق عليه الخلفاء الأربعة - كاتفاقهم على أن الإمامة والإمارة شورى بين
الأمة لا تدخلها المغالبة ولا المنازعة، وكحرمة الأموال ووجوب صيانتها،
وعدم استحقاق الخليفة من بيت المال إلا قدر حاجته – فهذا ونحوه من سننهم
المشهورة عنهم حجة قطعية، بل هو إجماع مستنده الكتاب والسنة، وما ثبت عن
الواحد منهم دون خلاف من الآخرين فهو حجة ظنية، وما اختلفوا فيه فالواجب
تقديم سنن أبي بكر وعمر على عثمان وعلي، كما في تولية الأقارب، فقد كانت
سنة أبي بكر وعمر إقصاء أقاربهما عن الولايات...
آراء الأصوليين في حجية سنن الخلفاء الراشدين:
قال الإمام
السرخسي الحنفي: (وحكي عن أبي حازم القاضي رحمه الله أن الخلفاء الراشدين
إذا اتفقوا على شيء فذلك إجماع موجب للعلم، ولا يعتد بخلاف من خالفهم في
ذلك لقوله عليه السلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا
عليها بالنواجذ)، ولهذا لم يعتبر خلاف زيد للخلفاء في توريث ذوي الارحام،
وأمر المعتصم – والصحيح المعتضد - برد الاموال التي اجتمعت في بيت المال
مما أخذت من تركات فيها ذوو الارحام، فأنكر ذلك عليه أبو سعيد البردعي رحمه
الله وقال: هذا شيء أمضي على قول زيد، فقال: لا أعتد خلاف زيد في مقابلة
قول الخلفاء الراشدين، وقد قضيت بذلك فليس لأحد أن يبطله بعدي).[10]
وقال
السرخسي أيضا: (وبعض أهل الحديث يخصون بترك القياس في مقابلة قول الخلفاء
الراشدين، ويستدلون بقوله عليه السلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين
من بعدي) وبقوله عليه السلام: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)،
فظاهر الحديثين يقتضي وجوب اتباعهما وإن خالفهما غيرهما من الصحابة، ولكن
يترك هذا الظاهر عند ظهور الخلاف بقيام الدليل، فبقي حال ظهور قولهما من
غير مخالف لها على ما يقتضيه الظاهر).[11]
وقال البزدوي: (وكذلك ما خطب به بعض الصحابة من الخلفاء فلم يعترض عليه فهو إجماع لما قلنا).[12]
وأشهر خطب
الخلفاء الراشدين وأصحها عنهم هي خطبهم السياسية، كخطبة أبي بكر بعد تولي
الخلافة، وخطبة عمر في قصة السقيفة وما جرى فيها وقوله فيها: (من بايع رجلا
دون شورى المسلمين فلا بيعة له ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا)، وكذا خطب
عثمان وعلي في محضر الصحابة... الخ
وقال
الزركشي الشافعي: (العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان فهذا كله هو حجة
عند مالك حجة عندنا أيضا، ونص عليه الشافعي فقال في رواية يوسف بن عبد
الأعلى إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء فلا يبق في قلبك ريب أنه الحق،
وكذا هو ظاهر مذهب أحمد، فإن عنده أن ما سنه الخلفاء الراشدون حجة يجب
اتباعها، وقال أحمد كل بيعة كانت بالمدينة فهي خلافة نبوة، ومعلوم أن بيعة
الصديق وعمر وعثمان وعلي كانت بالمدينة، وبعد ذلك لم يعقد بها بيعة، ويحكى
عن أبي حنيفة أن قول الخلفاء عنده حجة).[13]
وقال
الزركشي أيضا: (المسألة السابعة إجماع الخلفاء الأربعة: قال القاضي أبو
خازم من الحنفية إجماع الخلفاء الأربعة حجة وحكم بذلك في زمن المعتضد
بتوريث ذوي الأرحام، ولم يعتد بخلاف زيد، وقبل منه المعتضد ذلك وردها
إليهم، وكتب بذلك إلى الآفاق، وقال أبو بكر الرازي وبلغني أن أبا سعيد
البراذعي كان أنكر ذلك عليه، قال وهذا فيه خلاف بين الصحابة، فقال أبو حازم
لا أعد هذا خلافا على الخلفاء الأربعة، وقد حكمت برد هذا المال إلى ذوي
الأرحام، ولا يجوز لأحد أن يتبعه بالنسخ، وهي رواية عن أحمد، قال الموفق في
الروضة نقل عن أحمد ما يدل على أنه لا يخرج عن قولهم إلى قول غيرهم،
والصحيح أن ذلك ليس بإجماع، وكلام أحمد في إحدى الروايتين يدل على أن قولهم
حجة ولا يلزم من ذلك أن يكون إجماعا، قلت ويجري ذلك في كلام القاضي أبي
حازم أيضا، وأنه أراد أنه يقدم على قول غيرهم، وعلى هذا فلا معنى لتخصيص
أصحابنا حكايته عن أبي حازم فإنه قول للشافعي قال ابن كج في كتابه هنا إذا
اختلفت الصحابة على قولين، وكانت الخلفاء الأربعة مع أحد الفريقين، فقال
الشافعي في موضع يصار إلى قول الخلفاء الأربعة).[14]
وقال
الزركشي أيضا: (الصحابة إذا اختلفوا كان الحجة في قول الخلفاء الأربعة إذا
وجد عنهم، للمعنى الذي أشار إليه الشافعي وهو اشتهار قولهم ورجوع الناس
إليهم، وقد استعمل الشافعي ذلك في الأم في مواضع كثيرة منها قال في كتاب
الحكم في قتال المشركين ما نصه: وكل من يحبس نفسه بالترهب تركنا قتله
اتباعا لأبي بكر رضي الله عنه).[15]
وقال ابن
أمير الحاج في التقرير على تحرير ابن الهمام الحنفي: (..(يطلقونها) أي
السنة (على ما ذكرنا) أي سنته صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين،
ولا سيما العمرين، ففي صحيح مسلم وغيره عن علي رضي الله عنه في قصة جلد
الوليد بن عقبة من شرب الخمر لما أمر الجلاد بالإمساك على الأربعين: (جلد
النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌ سنة،
وهذا أحب إلي)، وقال مالك قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله صلى الله
عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله، وقوة على
دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر في أمر خالفها، من
اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل
المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
ووقع ذلك في مديح الشعراء فقال الفرزدق في هشام بن عبد الملك:
فجاء بسنة العمرين فيها ** شفاء للصدور من السقام).[16]
وقال أيضا:
(وما عمل به الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم
يرجح على ما ليس كذلك، لأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمتابعتهم
والاقتداء بهم كما يفيده ما قدمناه عنه صلى الله عليه وسلم في بحث العزيمة،
وكونهم أعرف بالتنزيل، ومواقع الوحي والتأويل، يفيد غلبة الظن في ذلك، ولا
سيما إذا كان بمحضر من الصحابة، ولم يخالف فيه أحد، فإنه يحل محل الإجماع،
بل ذهب أبو حازم إلى أن ما اتفقت الخلفاء الأربعة عليه إجماع ولكن الأكثر
على خلافه).[17]
وقال
القاضي أبو يعلى الحنبلي في أسباب الترجيح بين الأدلة: (الخامس: أن يكون
أحدهما عمل به الأئمة الأربعة، كما قدمنا رواية من روي في تكبيرات العيدين
سبعاً وخمساً، على رواية من روى أربعاً، كأربع الجنائز؛ لأنه عمل به أبو
بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.
وقد نص
أحمد رحمه الله على هذا في مواضع، وكذلك نقل أبو الحارث عنه في الحديثين
المختلفين، وهما جميعاً بإسناد صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم : ينظر
إلى ما عمل به الأئمة الأربعة، فيعمل به.
وكذلك نقل الفضل بن زياد في الحديثين بإسناد صحيح: ينظر إلى ما عمل أو ما قال الخلفاء بعده، يعني: أبا بكر وعمر).[18]
وقال الفخر
الرازي: (المسألة الرابعة: الحق أن قول الصحابي ليس بحجة، وقال قوم إنه
حجة مطلقا، ومنهم من فصل وذكروا فيه وجوها: أحدها أنه حجة إن خالف القياس،
وثانيها أن قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حجة فقط، وثالثها أن قول
الخلفاء الأربعة إذا اتفقوا حجة.
واحتج المخالف بوجوه:
أحدها:
قوله عليه الصلاة السلام: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، جعل
الاهتداء لازما للاقتداء بأي واحد كان منهم وذلك يقتضي أن يكون قوله حجة.
وثانيها: إن لم يجز اتباع كل واحد منهم فيجب اتباع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما للخبر والإجماع.
أما الخبر: فقوله عليه الصلاة والسلام (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر).
وأما
الإجماع: فقد ولى عبد الرحمن عثمان الخلافة بشرط الاقتداء بسيرة الشيخين
فقبل، ولم ينكر ذلك على عثمان، وكان ذلك بمحضر من أكابر الصحابة فكان
إجماعا.
وثالثها:
إن لم يجب اتباع أبي بكر وعمر وحدهما وجب اتباع الخلفاء الأربعة، لقوله
عليه الصلاة والسلام (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) وقوله
عليكم للإيجاب وهو عام).[19]
وقال ابن
تيمية في مسودة الأصول: (قال أيوب السخياني اذا بلغك اختلاف عن النبي صلى
الله عليه وسلم فوجدت في ذلك الاختلاف أبا بكر وعمر فشد يدك به فإنه الحق
وهو السنة).[20]
وقال أيضا:
(مسألة إجماع الخلفاء الأربعة على حكم ليس بإجماع، وبه قال أكثر الفقهاء
وفيه رواية أخرى أنه إجماع، وبه قال أبو حازم الحنفي هذا نقل الحلواني، ثم
قال بعدها إذا ثبت أنه لا يكون إجماعا فإنه لا يكون حجة مع مخالفة بعض
الصحابة، وفيه رواية أخرى أنه يكون حجة مقدما على قول الباقين من الصحابة،
فصار في المسألة على نقله ثلاث روايات: رواية بأنه إجماع، ورواية بأنه حجة
لا إجماع، ورواية لا إجماع ولا حجة، وهذا كله مع مخالفة بعض الصحابة لهم،
وكذا حكى ابن عقيل رواية بأنه إجماع، ولفظ ابن عقيل في المسألة، والرواية
الثانية لا يعتد بخلاف من خالفهم ويجعل قولهم كالإجماع...
سمعت
الشعبي يقول اذا اختلف الناس في شيء فانظر كيف صنع عمر فإن عمر لم يكن يصنع
شيئا حتى يشاور، وقال صالح بن حي قال الشعبي من سره أن يأخذ بالوثيقة من
القضاء فليأخذ بقضاء عمر، فإنه كان يستشير، قال أشعث فذكرت ذلك لابن سيرين
فقال إذا رأيت الرجل يخبرك أنه أعلم من عمر فاحذره).[21]
وقال
الشاطبي في الموافقات: (والثالث: أن جمهور العلماء قدموا الصحابة عند ترجيح
الأقاويل؛ فقد جعل طائفة قول أبي بكر وعمر حجة ودليلًا، وبعضهم عد قول
الخلفاء الأربعة دليلًا، وبعضهم يعد قول الصحابة على الإطلاق حجة ودليلًا،
ولكل قول من هذه الأقوال متعلق من السنة، وهذه الآراء -وإن ترجح عند
العلماء خلافها- ففيها تقوية تضاف إلى أمر كلي هو المعتمد في المسألة، وذلك
أن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة، ويتكثرون
بموافقتهم، وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة
المعتبرين؛ فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر من ذهب إليها من الصحابة،
وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم، وقوة مآخذهم
دون غيرهم، وكبر شأنهم في الشريعة، وأنهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم فضلًا
عن النظر معهم فيما نظروا فيه، وقد نقل عن الشافعي أن المجتهد قبل أن يجتهد
لا يمنع من تقليد الصحابة ...
وأيضًا؛ فقد وصفهم السلف الصالح ووصف متابعتهم بما لا بد من ذكر بعضه.
فعن سعيد بن جبير أنه قال: "ما لم يعرفه البدريون فليس من الدين"
وعن الحسن -
وقد ذكر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - قال "إنهم كانوا أبر هذه الأمة
قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قومًا اختارهم الله لصحبة نبيه -صلى
الله عليه وسلم- فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم؛ فإنهم ورب الكعبة على الصراط
المستقيم".
وعن إبراهيم قال "لم يدخر لكم شيء خبئ عن القوم لفضل عندكم".
وعن حذيفة
أنه كان يقول: "اتقوا الله يا معشر القراء، وخذوا طريق من قبلكم؛ فلعمري
لئن اتبعتموه لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن تركتموه يمينًا وشمالًا لقد
ضللتم ضلالًا بعيدًا".
وعن ابن
مسعود: "من كان منكم متأسيًا؛ فليتأس بأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -
فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها
هديًا، وأحسنها حالا، قوما اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه؛ فاعرفوا
لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدي المستقيم".
وقال علي: "إياكم والاستنان بالرجال" ثم قال: "فإن كنتم لا بد فاعلين؛ فبالأموات لا بالأحياء"، وهو نهي للعلماء لا للعوام.
ومن ذلك
قول عمر بن عبد العزيز؛ قال: "سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولاة
الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة
على دين الله، من عمل بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير
سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا"، وفي رواية
بعد قوله "وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في
رأي خالفها، من اهتدى بها مهتد...."
الحديث، وكان مالك يعجبه كلامه جدا.
وعن حذيفة قال: "اتبعوا آثارنا؛ فإن أصبتم فقد سبقتم سبقا بينا، وإن أخطأتم فقد ضللتم ضلالا بعيدا".
وعن ابن مسعود نحوه؛ فقال: "اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم").[22]
وقال شيخ مشايخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي في شرحه في المذكرة لروضة الناظر:
(...
(واتفاق الخلفاء الأربعة ليس بإجماع عند الجمهور، والصحيح أنه حجة وليس
بإجماع، لأن الإجماع لا يكون إلا من الجميع)... وقيل إجماع، وقيل حجة لا
إجماع وهو أظهرها، وما نقل عن أحمد رحمه الله من أنه لا يخرج عن قولهم إلى
قول غيرهم لا يدل على أن قولهم إجماع، لأن الدليل قد يكون حجة وليس إجماعا
).[23]
وقال أيضا: (الأصل الثاني المختلف فيه: قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف.
وخلاصة كلام المؤلف - ابن قدامة الحنبلي - في قول الصحابي أنه ذكر فيه أربعة أقوال:
1- أنه حجة يقدم على القياس ويخص به العموم، وعزاه لمالك والشافعي في القديم وبعض الحنفية واستدل بحديث (أصحابي كالنجوم) الحديث.
2- ليس
بحجة، وعزاه لعامة المتكلمين والشافعي في الجديد واختيار أبي الخطاب،
واستدل له بإمكان الغلط والخطأ من الصحابة، وبأنه يجوز عليهم الاختلاف، ولم
تثبت عصمتهم .
3- قول الخلفاء الراشدين دون غيرهم واستدل له بحديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) الحديث.
4- قول أبي بكر وعمر واستدل له بحديث (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) ويظهر من الثالث والرابع أنه ولو هناك مخالف).[24]
فتحصل من مجموع أقوال الأئمة ما يلي:
1- لا خلاف
في حجية ما ثبت عن الخلفاء الأربعة، وشاع عنهم، ولم يخالفهم فيه أحد من
الصحابة، فإن كان باتفاق الخلفاء الأربعة فهو الإجماع القطعي.
2- ولا خلاف في حجية ما ثبت عن الواحد منهم إذا شاع عنه، ولم يخالفه أحد من الصحابة، وهو إجماع إقراري سكوتي.
3- وإذا
اختلف الخلفاء الراشدون، فالراجح عند الأئمة تقديم قول أبي بكر وعمر، سواء
عند من يقول بحجية قولهما مطلقا، أو عند من يقول بحجية قول الخلفاء
الأربعة، لحديث: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر).
قال ابن
القيم: (إذا خالف الخلفاء الراشدون أو بعضهم غيرهم من الصحابة في حكم فهل
يكون الشق الذي فيه الخلفاء الراشدون أو بعضهم حجة على الآخرين؟ فيه قولان
للعلماء، والصحيح أن الشق الذي فيه الخلفاء أرجح وأولى أن يؤخذ به من الشق
الآخر، فإن كان الأربعة في شق فلا شك أنه الصواب، وإن كان أكثرهم في شق
فالصواب فيه أغلب، وإن كانوا اثنين واثنين فشق أبي بكر وعمر أقرب إلى
الصواب، فإن اختلف أبو بكر وعمر فالصواب مع أبي بكر، وهذه جملة لا يعرف
تفصيلها إلا من له خبرة واطلاع على ما اختلف فيه الصحابة وعلى الراجح من
أقوالهم).
4- ولا
خلاف في حجية ما ثبت عن الواحد من الخلفاء الراشدين، وإن لم يتحقق شيوعه،
إذا لم يخالفه أحد من الصحابة، وليس هذا على الصحيح إجماعا بل هو حجة، سواء
عند من يقول بحجية قول الصحابي مطلقا إذا لم يعرف له مخالف، أو عند من
يقول بحجية قول أحد الخلفاء الراشدين، وهذا قول الأئمة الثلاثة أبي حنيفة
ومالك وأحمد، وكذلك هو قول الشافعي في القديم، وهذا الخلاف المذكور عن
الشافعي في الجديد - وإن كان قد نازع فيه العلائي وابن القيم وأثبتا موافقة
الشافعي للأئمة في الاحتجاج بقول الصحابي – لا يكاد يتجاوز النزاع فيه
دائرة اجتهاده في المسائل الفقهية الفرعية، لا في سننهم في باب الخلافة
والإمامة، فالشافعي يحتج بما ثبت عن الواحد من الخلفاء الراشدين في هذا
الباب كباقي الأئمة الثلاثة.
قال الإمام
العلائي الشافعي: (وهذه الأقوال – أي حجية قول الصحابي - التي أشار إليها
الإمام – إمام الحرمين الجويني - منصوصة للشافعي في الجديد أيضا، فإنه قال
في كتاب الرسالة الجديدة في أقوال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا
تفرقوا فيها: (نصير إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع أو كان أصح في
القياس، وإذا قال واحد منهم القول لا نحفظ عن غيره منهم له موافقة ولا
خلافا صرت إلى اتباع قول واحد، إذا لم أجد كتابا ولا سنة ولا إجماعا ولا
شيئا يحكم له بحكمه أو وجد معه قياس).
هذا نصه
رحمه الله في الرسالة المذكورة من رواية الربيع بن سليمان، ومقتضاه تقديم
القياس الجلي على قول الصحابي، وهو المراد إن شاء الله بقوله: ولا شيئا في
معناه يحكم له بحكمه.
ويقتضي أيضا أنه إذا تعارض قياسان وأحدهما مذهب الصحابي أنه يقدم القياس الموافق لقول الصحابي.
وقال
الشافعي رحمه الله في كتاب اختلافه مع مالك وهو من الكتب الجديدة أيضا: (ما
كان الكتاب أو السنة موجودين فالعذر على من سمعها مقطوع، إلا باتباعهما،
فإذا لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو
واحد منهم، ثم كان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أحب إليها
إذا صرنا إلى التقليد، وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب
الاختلاف من الكتاب والسنة، فنتبع القول الذي معه الدلالة، لأن قول الإمام
مشهور بأنه يلزم الناس، ومن لزم قوله الناس كان أظهر ممن يفتي الرجل أو
النفر وقد يأخذ بفتياه ويدعها، وأكثر المفتين يفتون الخاصة في بيوتهم
ومجالسهم ولا يعنى العامة بما قالوا عنايتهم بما قال الإمام، وقد وجدنا
الأئمة يبتدئون فيسألون عن العلم من الكتاب والسنة فيما أرادوا أن يقولوا
فيه، ويقولون فيخبرون بخلاف قولهم فيقبلون من المخبر ولا يستنكفون أن
يرجعوا لتقواهم الله وفضلهم في حالاتهم، فإذا لم يوجد عن الأئمة، فأصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين في موضع الإمامة أخذنا بقولهم، وكان
اتباعهم أولى بنا من اتباع من بعدهم.
قال الشافعي والعلم طبقات:
الأولى: الكتاب والسنة إذا ثبتت السنة.
والثانية: الإجماع فيما ليس في كتاب ولا سنة.
والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا نعلم له مخالفا منهم.
والرابعة: اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم.
والخامسة: القياس على بعض هذه الطبقات.
ولا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما موجودان وإنما يؤخذ العلم من أعلى) أهـ
هذا كله
نص الإمام الشافعي رحمه الله في الكتاب المشار إليه ورواه البيهقي عن شيوخه
عن الأصم عن الربيع بن سليمان عنه، وهو صريح في أن قول الصحابي عنده حجة
مقدمة على القياس كما نقله إمام الحرمين، وإن كان جمهور الأصحاب أغفلوا نقل
ذلك عن الجديد، ويقتضي أيضا أن الصحابة إذا اختلفوا كان الحجة في قول أحد
الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، إذا وجد عنهم، للمعنى الذي أشار إليه
الإمام الشافعي وهو اشتهار قولهم ورجوع الناس إليهم).[25]
وقال
العلائي أيضا عن مذهب الشافعي في القديم: (فأما في القديم فقوله فيه مشهور
بحجية قول الصحابي، ومن ذلك ما ذكره في الرسالة القديمة بعد ذكره الصحابة
رضي الله عنهم والثناء عليهم بما هم أهله فقال: وهم فوقنا في كل علم
واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى
بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا، ومن أدركنا ممن نرضى أو حكي لنا عنه ببلدنا
صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه سنة إلى قولهم إذا
اجتمعوا، وقول بعضهم إن تفرقوا، فهكذا نقول إن اجتمعوا أخذنا بإجماعهم،
وإن قال واحدهم قولا ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله، إن اختلفوا أخذنا بقول
بعضهم ولم نخرج عن أقاويلهم كلهم.
قال: وإذا
قال الرجلان منهم في شيء قولين مختلفين نظرت، فإن كان قول أحدهما أشبه
بكتاب الله أو أشبه بسنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت به، لأن
معه سببا تقوى بمثله ليس مع الذي يخالفه مثله، فإن لم يكن على واحد من
القولين دلالة بما وصفت كان قول الأئمة أبي بكر أو عمر أو عثمان رضي الله
عنهم أحب إلي أن أقول به من قول غيرهم إن خالفهم، من قِبَل أنهم أهل علم
وحكام.
ثم قال بعد
ذلك: فإن اختلف الحكام استدللنا بالكتاب والسنة في اختلافهم، وصرنا إلى
القول الذي عليه الدلالة من الكتاب أو السنة، وقلما يخلو اختلافهم من دلائل
كتاب أو سنة، وإن اختلف المفتون يعني من الصحابة بعد الأئمة بلا دلالة
فيما اختلفوا فيه، وإن وجدنا للمفتين في زماننا وقبله اجتماعا في شيء لا
يختلفون فيه تبعناه، وكان أحد طرق الأخبار الأربعة وهي كتاب الله ثم سنة
نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم القول لبعض الصحابة، ثم اجتماع الفقهاء، فإذا
نزلت نازلة لم نجد فيها واحدا من هذه الأربعة، فليس السبيل في الكلام في
النازلة إلا اجتهاد الرأي.
هذا كله كلام الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة القديمة...).[26]
وعليه فكل
من يدعو اليوم إلى اتباع سلف الأمة والاقتداء بالصحابة دون استحضار هذه
المعاني التي هي أشهر سننهم – ابتداء من إقامتهم الخلافة بعد النبوة،
وحكمهم بالكتاب والسنة في كل شئونهم، وإقامتهم الإمارة شورى بإجماعهم،
والحكم بالعدل في القضية، والقسم للمال بالسوية، والأخذ على يد الظالم،
والجهاد في سبيل الله لدفع العدو عن أرض الإسلام – فليس له من اتباع
الصحابة وسلف الأمة نصيب، ولا حاجة للصحابة رضي الله عنهم بمجالس الثناء،
في قنوات الطغاة، كما لا حاجة للحسين وآل بيته بمجالس النياحة والبكاء،
وإنما الأمة أحوج ما تكون إلى الاهتداء بهديهم، والاقتداء بهم، في حال
استضعافهم وحال استخلافهم رضي الله عنهم!
وما زلنا مع هذه القضية فللحديث بقية!